رَسول مُتألّم

كلمات ليست للبيع!

حدود لا مرئية تفصل بين مشاعرنا المتناقضة، تماماً مثلما يُفصَل ما بين الماء العذب والماء المالح في المحيطات والبحار. حدود تتغيّر أشكالها ومعالمها من شخص لآخر، بل وتتبدّل داخل الواحد فينا بين ساعة وأخرى. فما كان يضحكنا يُصبح سخيفاً، وما كان يُضنينا يصير مُعتاداً، وما كان يُبكينا يدفعنا إلى الابتسام. يقولون أن ما زاد عن حدّه انقلب لضده، وأنا لم أعرف حتى اليوم ماهية هذا الحد؟ فكثير من الأحيان لا يزيد الأمر على الحد ولكنني أتفاجأ أنه انقلب لعكسه!

هكذا انقلبت المتعة لدي إلى نفور، وما كان يدفعني إلى الكتابة صار يبعدني عنها، وانقلبت الثقة إلى ريبة، وبات اليقين مشكوكاً فيه.

ما الحاجز الذي قد تعدّيته كي ينقلب الأمر هكذا؟ رحت أبحث داخلي عن سبب، فما وجدت سوى سبباً واحداً.

التوتّر – قاتله الله

أنا كائن أكره القلق، وألعن التوتّر في سري وعلانيتي، أبغض الفوضى التي يثيرها في نفسي من جراء هواجسه التي لا أستطيع التحكم فيها، أمقت الاضطراب الذي يعتريني بسببه. عاديت كل شيء يسبب لي هذا القلق، فأدركت أنني قد خاصمت الدنيا وما فيها!

ملأني ذلك الشعور البغيض عندما بدأت أشرع في الخطوات الأولى لمحاولة نشر كتابي، و بالتحدث مع الكثير من دور النشر واستشارة العديد من أصدقائي أو غيرهم ممن يملكون الخبرة في مثل تلك الأمور. أحسست وكأنني أدخل عالم فسيح فلا أكاد أشعر فيه إلا بضآلتي بحكم حداثتي به وبأساليبه وقواعده، وفطنت إلى أن كلماتي التي هي خلاصة فكر ونبض وعرق وساعات تأمّل، ما هي إلا بذوراً مُلقاة في أرض عامرة بما لذ وطاب وخبث. فأيست من سذاجة صورتني كطفل يهرع -بفخر- إلى والديه يمسك كراسته التي كتب فيها حرفه الأول وكأنه أول من خط القلم. أنظر بخيبة إلى كلماتي ويُخيّل لي أنها تنظر لي في عتب، وأنا الذي ظللت أياماً أُزيّن لها المستقبل.

من يقتل الكلمات على الورق؟

 

آلمني أن أرى في كلماتي سلعة وسط سوق لا يهمه جودتها بقدر ما يهمه بريقها وإن كان مُزيّفاً. يوجعني أنني أطالب بحق عادل… حق قراءتي بصدق، فأنا لا أرغب في تسويق ما كتبت بقدر ما أشتهي رؤية تأثيره على قارئها. إن كانت غايتي احتراماً فلِمَ أشعر بنبرات السخرية في تعاملاتهم والتي زادتها كثرة المعروض وإن غَثّ.

إن كنت أؤمن بما قد كتبت فذلك لأنه مِنّي، وأدرك تماماً أن كلماتي لن تحظى بإعجاب الكل وإن آلمني ذلك ولكنه ناموس الحياة.

إن الكلمات التي نكتبها مُحمّلة بأرواحنا ونفوسنا، فإن كانت كلمتي رسولاً عنّي فلِمَ لا يتم استقبالها بحيادية مُنصفة.

تكالبت الأفكار في رأسي، وشعرت بأنني مريض لا أقوى على التفكير السليم، وملأتني كآبة لم أجد معها نفعاً سوى بالانعزال.

استعنت بالله… وغرقت في صلاة أبث فيها ضيقي لإله عادل يملك كل شيء. فهداني إلى أن أنثر هَمّي على الورق، علّ ذلك يزيح عن نفسي ما طالها من ضيق.

إن الله قد خلق البوح ليُكتَب ويُقال، فيُقرأ ويُسمَع، وهو إن بدأ كتابه بـ”إقرأ”، فذلك إثباتاً بأن الكلمة جاءت أولاً.

إن الكلمة شرف لكاتبها… فحتى إن لم يقرأني أحد… يكفيني أن أكون من الكاتبين.

أحمد فؤاد

25 كانون الثاني 2019

الكاتب: أحمد فؤاد

أكتب كي أكون

3 رأي حول “رَسول مُتألّم”

  1. تحية اجلال وتقدير لكاتب اعتز وأثق بقلمه
    اذا حاولنا ان نسأل من هم الذين يتقنون التعامل مع المفردة والحرف الراقي ،سيكون الجواب غصة في الحلق ..لأن الساحة أصبحت معترك اختلط فيه الغث بالثمين وللأسف دور النشر لها عذرها لان الامور أصبحت (بيزنس)ليس الا.
    الطبول الفارغة قرعها أعلى
    هم خائفون والخوف يشل أي موهبة ويقف عثرة في طريقها والحق ان الموضوع لايقتصر عليك فحسب ..هي قضية تستحق الصراخ لأنهم بذلك يحرمون أصحاب الأقلام الموهوبة من الإفصاح عن ابداعهم وموهبتهم
    أتمنى لك التوفيق العاجل والقريب وفي انتظار ثمرة كفاحك
    خالص ودي

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s